الانتفاضة هي الحل

عبد الحليم قنديل

 

نخشى ـ إن ظلت الأمور على حالها ـ أن تتحول القدس إلى صفحة حنين فى كتاب التاريخ، أو إلى خزانة أغاني على طريقة فيروز في شدوها الملائكي.

نخشى أن تتحول القدس إلى موضوع للمراثي، وإلى زحام صور في ألبوم ذكريات عتيقة، وأن تصبح مدينة الأنبياء سكنا مفضلا للأشقياء.

فثمة حرب إبادة ومحو لعروبة القدس، وخطط تنفذ منذ عقود لتهويدها على نحو كامل، وجعل الوجود العربي فيها بقايا صور، والارتفاع بسقف 'الكنس' اليهودية عن سقف المسجد الأقصى، وجعل المقدسيين غرباء في قدسهم، وتحويل المدينة المقدسة إلى حائط مبكى تجف دموعه مع تقادم الوقت.

وقد شهدت القدس علينا، شهدت على خيبتنا الجامعة، على مذلة حكامنا، وعلى صمت شعوبنا، ونهايتنا إلى متاهة قلوب تطمس الضمائر، وكأن القصة كلها في المسجد الأقصى على عظمة قدره، بينما المسجد الأقصى رمز للقدس ولعروبة فلسطين كلها، فهو ليس مجرد دار للعبادة، وحرمه الشريف ليس مجرد متاجر لبيع التذكارات، وخلع أساسات المسجد الأقصى بالحفريات تحته، وبالإغارات المنتظمة على بنيانه، وسعي إسرائيل لتحطيمه وتهديمه، هذه كلها نذر خطر تلخص ما يجري للقدس كلها، والتي تبدل إسرائيل في هويتها، وفى شوارعها، وفي مبانيها، وفي موازين سكانها، وتسعى لطرد آخر عربي منها بالتوازي مع هدم آخر حجر في المسجد الأقصى.

يعنى ذلك ـ ببساطة ـ أن نغير فى فهمنا لرمزية المسجد الأقصى، فالمسجد المقدس ليس مجرد بناية تاريخ، وليس مجرد مسرى للنبي الكريم، إنه اختصار لحقائق وجود وحياة مهددة بالاقتلاع، والدفاع عنه ليس حفظا لحجر على قداسته، بل دفاع عن بشر ووطن يتسع من حول أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقد كان المسجد الأقصى عنوانا لانتفاضة فلسطينية عارمة فى بدايات القرن الجاري، وهي الانتفاضة الثانية التى مزجت الحجارة بالسلاح والعمليات الاستشهادية، وأنجزت للشعب الفلسطيني جلاء نسبيا للاحتلال عن غزة، وتفكيكا لمستوطناتها، وبيانا عمليا عن الطريق الوحيد الممكن للتحرير، وهو المقاومة بما ملكت الأيدي من سلاح، والنفوس من غضب، والأرض من حجارة مقدسة تماما كحجارة المسجد الأقصى.

ولا أحد عاقل ـ أو نصف عاقل ـ يتصور طريقا آخر، فقد جرى تجريب كل الخيارات الأخرى، وفشلت، ولم تؤد المفاوضات والتسويات ـ إياها ـ إلا إلى خراب القدس وتهديد المسجد الأقصى، وأصبح واضحا أن الخطر ليس في عدوانية إسرائيل وحدها، ولا في فرضها لحقائق التهويد الاستيطاني على الأرض، ولا في استثمارها للتواطؤ الدولي، ولغفلة الفلسطينيين والعرب، فإسرائيل ليست المجرم الوحيد، بل هي رأس حربة الإجرام المسنود أمريكيا، ومعها في نفس التشكيل الإجرامي آخرون منا، فلسطينيون يرتدون الكوفية على سبيل التمويه، وملوك ورؤساء وأمراء الطوائف العرب، وكلهم شركاء ـ بالتواطؤ ـ في جريمة تهويد القدس وطمس الحق الفلسطيني.

ثم أن الإنصاف يقتضي توشجيه بعض اللوم لتيار المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية، فقد أدى اندفاع حــــماس للمشاركة فى خدعة الانتخابات الفلسطينية، وسعيها المتعــــجل لبناء سلطة على أرض لم تتحرر بعد، ثم الوقوع ـ باستطراد الحوادث ـ في انقسام بدا صراعا على سلطة، وليس دفاعا عن مشـــروع المقاومة بالسلاح، أدت هذه التطورات إلى خيبة تنطوي على مفارقة مريرة، فقد بدا الطرفان في سباق إلى تسوية، وإلى أوهام مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، وسعى إلى هدنة مطولة أو إلى سلام موهوم، ومع تجميد فعلي لمشروع المقاومة والانتفاض الفلسطيني.

صحيح أنه لا يمكن التسوية فى مقادير الخطأ، لكن الخطيئة وقعت على أي حال، ورسمت مسارات تغري بالتقدم إلى الحائط المسدود، وبدا الحديث عن المصالحة الفلسطينية، وكأنه سعى إلى مصالحة إسرائيل، وطاعة هواها علنا أو ضمنا، بينما المطلوب : مصالحة مع القدس، وليس مع إسرائيل، وهو ما لن يحدث بمصالحة تجري أو تتعثر بين عباس وحماس، ولا بتوقيعات توشك في هذه العاصمة العربية أو تلك، فالأهم من شكـــل المصالحة هو مضمونها، وما تؤدي إليه بالضبط، الأهم هو كنس سلطة أوسلو، ووقف الاحتراب عليها بالانقسام أو بالمصالحة، وإزالة العقبة الكبرى التي تعترض طريق المقاومة، والانتقال إلى تنظيم قوى الكفاح الفلسطيني سياسيا و عسكريا في إطار فعال، ومن حول برنامج مباشر يعطي الأولوية الآن لمهمتين عاجلتين، هما إستكمال تحرير غزة، وإشعال انتفاضة جماهيرية ثالثة في الضفة والقدس.

ورغم ظواهر محزنة تطغى على السطح، فقد بدا شعاع الفرح متوهجا طالعا من رماد العذاب الفلسطيني، بدت الامكانية قائمة لبدء انتفاضة ثالثة، وتدافعت موجات أولية ـ ولكن محسوسة ـ تشق نهر الفداء من جديد، وبأجيال شابة طالعة وأطفال مدارس، ودارت مواجهات باسلة في القدس ومدن الضفة ضد قوات الاحتلال، وتوالت قوافل الحجارة والشهداء والأسرى، وهو ما قد يصح أن يكون موضع العناية والانتباه الأول، وأن يكون الموقف منه هو معيار الفرز الوحيد، فالذين يصادمون التحول لانتفاضة ثالثة هم أعداء وخونة الشعب الفلسطيني، والذين يدعمون ويرعون بواكير 'انتفاضة القدس' هم أهل فلسطين وحملة الأمانة المقدسة، صحيح أنه جرى إنهاك الجهاز التنظيمي لمنظمات المقاومة في الضفة، وباعتقالات شبه يومية تجري بتواطؤ وتشارك علني مفضوح بين قوات الاحتلال وقوات الجنرال دايتون الحارسة لسلطة عباس، لكن الروح الفلسطينية الجديدة تبدو ملهمة، والتحول الذي يجرى في قطاعات من حركة فتح يبدو إيجابيا، والمطلوب: كنس موضوع السلطة قضية الصراع الظاهرة، وإحلال الموقف من الانتفاضة الثالثة كقضية أولى تجب غيرها، خاصة أن القدس ـ في خرائط الحال الفلسطيني ـ تبدو محطة لقاء واجتماع ممثلي لقطاعات الشعب الفلسطيني كله، فالفلسطينيون في الأرض المحتلة ـ منذ حرب 1948 ـ طرف مباشر في قضية القدس والمسجد الأقصى، وقد لعبوا الدور الأبرز إلى الآن في تعزيز حس الانتفاض المقدسي والفلسطيني مجددا، لعبوا أدوارا أكبر مما كان عليه الأمر في الانتفاضة الثانية، ثم أن نار القوة الاسرائيلية الهمجية تحرق ما تبقى من أوراق عباس، وتكشف عورات سلطتها البائسة أمام الشعب الفلسطينى، وتجعلها فى صدام مباشر مع أولوية المقدس الفلسطينى الذي ترمز إليه القدس والمسجد الأقصى، وهو ما يتيح قوة معنوية أكبر لحماس والجهاد والجبهة الشعبية والقادة المستقلين لتعويض وتجاوز العجز التنظيمي الموقوت.

وباختصار، فإن انتفاضة القدس هي الحل الآن، وكل ما عداها باطل وقبض ريح.

كاتب مصري

************************

خيمة الخيبة

عبد الحليم قنديل

 

زمان، كان الناس يتنادون لعقد قمة عربية عندما تحل الكوارث، والآن، صار عقد القمة العربية في ذاته كارثة سياسية بامتياز.

وهذه الحالة ليست وليدة اليوم، ولا هي مرتبطة بقمة 'سرت' الوشيكة بالذات، بل هي استطراد لبؤس القمم، والتي فقدت معناها اللغوي بعد السياسي، وبدت أقرب إلى قمم القاع، وإلى خيبة الأمل التي تركب الجمل.

وليست القصة في اختــــلافات هنا أو هناك، فكل قمم السياسة في العالم تحتمل وجود خلافات، وتحتمل التسويات أيضا، لكن مابيـــن الرؤساء والملوك والأمراء- خاصتنا- ليست خلافات، فليس لأحدهم رأي، ولا سياسة ذاتية، ولا ارتباط بالمعنى العربي إلا في الأسماء وملامح الوجوه، وكل ما يجري هو شجار بالوكالة عن السيد الأمريكي الغائب ـ الحاضر على منصة القمة، وسباق وتنافس في خدمة السيد الأمريكي، يبدو ـ في الظاهر ـ وكأنه خلافات قمة.

وفي ماض قريب، كنا نشكو من تحول المشهد العربي النظامي إلى 'ظاهـــرة صوتيــــة'، كنا نشكو من فوائض الشجب وكثرة الاستنكارات، ثم غاب الصوت، ولم يعد من تعريف للحكــــام العرب غير كونهم 'ظاهرة جغرافية'، ناس ما في مكان ما، ومع تضييع بوصلة الزمن، صار خبر القمــــم العربية في ذيل القائمة، ولا يلفت النظر فيه غير من حضــر ومن غاب، وغير المكايدات الصغيرة بين عائلة تحكم هنا أو عائلة تحكم هناك، والتخلف عن تقديم واجب العزاء للعائلة المضيفة، فالذين يذهبون للقمة يفعلونها، وهم متثاقلون، وكأنهم ذاهبون إلى جنازة متكررة، ولأداء الصلاة على ميت سبق أن دفنوه ألف مرة.

وقد تجد أحدهم غاضبا لكرامة ابنه، ويقيم الدنيا فلا يقعدها، بينما لايحرك إصبعا، ولا يغضب لتهويد القدس، ولا للاستعدادات الإسرائيلية الجارية لهدم المسجد الأقصى المبارك، وبناء هيكل سليمان الثالث على أنقاضه، ونشر الخراب بعد تشييد كنيس الخراب، والسبب مفهوم، فلم يعد من فارق جوهري بين النظم العربية التي تحكم الآن، وعلى اختلاف اللافتات الجمهورية والملكية، فكلها نظم تحكم بالحق العائلي، والشعوب آخر من يرد على البال، فهي من اختصاص وزراء الداخلية ورؤساء مصالح السجون والمعتقلات، وليس لها من دور في اختيار الحكام، فليس للنظم العربية مجمع انتخابي داخلي، بل لها ـ في الغالب الأعم ـ مجمع انتخابي افتراضي من خارج المعنى العربي كله، هو الرعاية الأمريكية ـ الإسرائيلية، وعلاقة النظم بالسيد الأمريكي هي الأهم، ورضاه بالدنيا والآخرة، وتكاد لاتختلف النظم إلا في درجة توثق العلاقة الحميمة بالسيد الأمريكي، فبعض الحكام ـ في الدول العربية الكبرى والصغرى ـ وصلوا بالسلامة إلى غرفة نوم السيد الأمريكي، وآخرون ينتظرون في الصالون، بينما يبدو آخرون في حالة تردد، يضغطون على زر الجرس على أمل أن يفتح لهم الباب.

والمحصلة ظاهرة، فلا مشروع عربي عند مشهد القمة، بل مشروع أمريكي بجسد عربي، والمداولات محسوبة، والقرارات معروفة سلفا، وهي نفس القرارات التي صدرت من قبل، والتي لايصدق فيها وصف القرارات من أصله، فهي أقرب إلى الموافقات ـ المكررة ـ على المعروض الأمريكي، وقد لا نكون في حاجة إلى رهان مع أحد، وقمة 'سرت' لم تعقد بعد، فرغم كل ما جرى ويجري في فلسطين المحتلة، ورغم قرارات التهويد التي تلتهم المساجد بعد الأرض، فلن يصدر عن القمة سوى استنكار خافت، ثم عودة إلى ترديد الكلام الأمريكي إياه، عن مبادرة السلام، وعن تعنت إسرائيل، وعن المفاوضات تلو المفاوضات، والسبب مفهوم، فأمريكا لاتريد ما هو أكثر في العلن، وتترك الأهم للقاءات مبعوثيها في الكواليس مع الحكام، وحيث لا توجد كاميرات ولا أحاديث متلفزة، وحيث تكون إيران ـ وليس إسرائيل ـ هي العدو الأهم، وحيث تبحث تفاصيل مشاركة الحكام في المجهود الحربي والتعبئة السياسية ضد إيران، وحيث يجري الاتفاق على دفع المليارات ـ والتريليونات ـ من خزائن البترول لأمريكا مقابل صفقات سلاح لا يستخدم، ومقابل ضمان حماية العائلات الحاكمة من مخاطر القوة الإيرانية.

وربما لايتبقى في القمم العربية غير مشاهد كوميديا سوداء، من نوع 'تبويس اللحى'، أو غضب أحدهم على تخطيه في الكلام، أو تجاوز رغبته في التحفظ على فقرة أو كلمة، مع أن البنود ـ الإثنتين والعشرين إياها ـ جرى بحثها ألف مرة، في اجتماعات المندوبين، وفي اجتماعات وزراء الخارجية، وفي أروقة الجامعة العربية التي تحولت إلى قبر من رخام، ميزانيات، ورواتب موظفين، واجتماعات عبث لا تنتهي إلى شيء، فلا أحد يملك قراره، ولا أحد يقول جديدا، ولا أحد يعرف معنى 'الجامعة' التي تربطهم بالضبط، ولا معنى 'العربية' التي تجمعهم، اللهم إلا على طريقة حسن ترجمة الأوامر الأمريكية من الإنكليزية إلى لغة عربية فصحى تلتوي على الألسنة، ثم يجري تقويمها على لسان عمرو موسى ـ أمين عام الجامعة ـ الذي ينتمي إلى زمن الظاهرة الصوتية، ويجد نفسه محشورا في زنقة الجغرافيا.

كيف وصلنا إلى هذه الحالة ؟ القصة معروفة، خرجت السياسة المصرية عن المعنى العربي منذ ثلاثين سنة، جرى خلع الوتد فسقطت الخيمة، كانت إسرائيل هي العدو الجامع، فأصبحت صديقا في العلن للنظام المصري ولآخرين، وصديقا من الباطن الأمريكي لبقية النظم، ثم سرى التحول العائلي في النظم جميعا، وتحول الحكم إلى عائلات معلقة فوق خوازيق أمنية في العواصم، واتحدت طبائع النظم، وتوحدت في أيديولوجيا النهب العام المستند لعصا الكبت العام، والانخلاع عن حس الناس، وتحويل الأوطان إلى زواريب وعزب، وغام معنى الأمة، وضاعت حرمة مقدساتها، وتحولت فلسطين إلى فعل ماض، وإسرائيل إلى فعل مضارع مستمر، وسقطت النظم ـ ومعها حياة العرب ـ في ثقب التاريخ الأسود، فلا هي تفعل، ولا هي تمضي، ولا هي توقف حفلات الأزياء التنكرية التي تقام سنويا باسم القمة العربية.

في وقت ما، وقبل أن يجري تجريف معنى القمة العربية، كان التناقض الرئيسي ظاهرا، كان كيان الاغتصاب الإسرائيلي هو العدو المسلم به، وكان دعم المقاومة المسلحة هو واجب الوقت، وكان النهوض بالتصنيع والاختراق التكنولوجي وسباق السلاح، وقتها كان للقمم العربية معنى، وكان توزيع الأدوار يجري بين دول للمواجهة ودول للدعم، وكان العدو هو كل صديق لإسرائيل، والصديق هو كل عدو لإسرائيل، وكان التهديد بوقف تدفق البترول واردا، وكانت مصر في مكانها قبل انخلاع الزمان، كان لمشروع الأمة مركزه القيادي في القلب، ثم انفصلت النظم عن الأمة، وانقلبت عليها، وإن لم تتوقف الأمة ذاتها عن طلب الحياة، وبالذات في جغرافيا تغيب عنها النظم أو تضعف بالطبيعة، وهو ما يفسر نهوض المقاومة في لبنان وفلسطين وعراق ما بعد صدام، ولم تجد المقاومة الجديدة دعما من القلب، بل من الطرف الأقصى خارج المعمورة العربية كلها، وجدت الدعم من إيران الإسلامية الناهضة، وصارت القمم المؤثرة هي التي تكون إيران طرفا فيها، ففي غياب المشروع العربي بالرأس العربي، فقد صرنا بصدد مشروع مقاومة عربي برأس إيراني، بينما تحولت قمم الحكام إلى مشروع أمريكي بجسد عربي.

والمحصلة ـ من جديد ـ ظاهرة، وهي أن أحدا لا ينتظر خيرا من 'القمة العربية'، ولسبب بسيط، وهو أنها ليست كذلك، فهي عربية بالعناوين، وبفنادق الإقامة، لكنها أمريكية في المضمون، وإسرائيلية بالهوى، وقراراتها مجرد حبر على ورق، وفي خيامها تسكن الخيبة بـ 'الويبة'.

 

' كاتب مصري

Kandel2002@hotmail.com

 **************************

 إذا هدموا الأقصى

عبد الحليم قنديل بقلم  

 

ربما لا يفرحنا الخبر، لكنه الحقيقة الباردة للأسف.

فقد تسارع العد التنازلي للحظة هدم المسجد الأقصى، ولن يندهش أحد إذا تحول هدم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إلى خبر صادم بعد طول التوقع البليد الراكد.

من زمن، تحول الأقصى الشريف إلى 'مسجد معلق' بتعبير أحد كبار الآثاريين العرب، لا تنقصه سوى هزة ينهار بعدها، أنهكته الحفريات الإسرائيلية المتصلة تحت أساساته، والإغارات المنتظمة على بنيانه، والاستعدادات الجارية لبناء 'هيكل سليمان' على أنقاضه، وبدءا بإقامة 'كنيس يهودي' توقع الشيخ رائد صلاح أن يتم تشييده هذا العام.

ولم تعد إسرائيل تخشى ردود الفعل المتوقعة فلسطينيا أو عربيا أو إسلاميا، فقد أجرت 'بروفة' أخيرة، واختبرت نهايات الطرق بقرارها ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح في الخليل إلى قائمة التراث اليهودي، وعدا مظاهرات غضب محدود للفلسطينيين، فقد مرت الكارثة بهدوء، وكأن لاشيء حدث، وصدرت تمتمات ـ أشبه بالاستنكارات ـ عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وأقوال 'برو عتب' صدرت عن الملوك والرؤساء والأمراء، ثم كان الرد الحاسم بردا وسلاما على قلب إسرائيل، فقد قررت الجامعة العربية تغطية رغبة عباس في استئناف المفاوضات مع نتنياهو، والعودة للنكات السخيفة إياها، عن جولات جورج ميتشل، وعن عطف الرئيس أوباما، وعن لقاءات مع جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي، والذي أكد التزام أمريكا المطلق بأمن إسرائيل، ونعت حركات المقاومة بالإرهاب.

فماذا نتوقع ـ إذن ـ لحظة إعلان نبأ هدم المسجد الأقصى؟ لاشيء أكثر مما تعرف، بسالة محاصرة للفلسطينيين المقدسيين، وبكائيات مشايخ في الفضائيات، ودعوات لتسيير مظاهرات ضخمة في العالم العربي والإسلامي، وتقدم قوات أمن النظم لقمع المظاهرات، وشروع في دعوات لاجتماعات طارئة في الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، ونصائح من أمريكا بضبط النفس، وربما قمة طارئة للحكام تنتهي ـ كالعادة ـ بترديد معزوفة السلام. .. خيارنا الاستراتيجي. هل بالغت ـ قليلا أو كثيرا ـ في تصوير ردود الفعل المتوقعة؟ ربما، وربما تنتهي القصة وقتها إلى تسويات عبقرية، كأن يجري تقسيم مساحة المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، أو أن يسمح للمسلمين بأداء الصلاة في هيكل سليمان، أو أن يجري تعيين حاخام يهودي شيخا للمسجد الأقصى، وإعلان الوحدة الاندماجية بين الدين اليهودي والدين الإسلامي.

قد تبدو الصورة المتوقعة كابوسية، لكنها كذلك من الآن، ودون حاجة لانتظار وقوع المكروه، فلا السلطة الفلسطينية فلسطينية، ولا السلطات العربية كذلك، وفي كل العواصم ضباط أمن ومفرغات صواعق، وأمريكا هي ربهم المعبود، والبيت الأبيض هو مسجدهم الأقصى، وطاعة إسرائيل فريضة مرعية، وقمع الناس هو الصلوات الخمس، ووضع الأحذية في الأفواه هو واجب الوقت.

السلطة الفلسطينية غير مشغولة بالأقصى، ولا بالقدس، ولا باللاجئين، ولا بالحدود، ولا بالمياه، ولا حتى بتوحش الاستيطان اليهودي في القدس والضفة الغربية، شيء واحد يشغل بال الرئيس عباس، وهو كيف يضمن اتصال الرضا الأمريكي والإسرائيلي، ويضمن تدفق معونات اللجنة الرباعية، وجدول أعماله معروف، عليه دائما أن يبدو كفلسطيني من متحف الشمع، وأن يتحدث عن الحقوق الفلسطينية بلا انقطاع، وأن يبيعها بلا توقف، وأن ينهض إلى روتينه المعتاد، مرة للقاء مسؤول أمريكي في رام الله، ومرة للقاء صديقه مبارك في القاهرة، ومرات للقاءات مع جورج ميتشل في الغرف المغلقة، وترديد نفس الكلام في المؤتمرات الصحافية، والانتهاء إلى ذات النتائج، والتفاوض لمجرد التفاوض، فقد تحول التفاوض الفلسطيني إلى حرفة في ذاته، ولها دوائرها ومخصصاتها المالية المتضخمة، وبدلات وحوافز التمثيل والديكور والملابس وزهور الزينة، والحديث عن التعنت الإسرائيلي أحيانا، وعن أزمات في المفاوضات، ثم العودة للدوران في لعبة الحلقات المفرغة، والانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة وبالعكس، ثم لاشيء إلا ما تصنعه إسرائيل على الأرض، استكمال لتهويد القدس، والتهويد المتصل للضفة، واعتقال الناشطين الذين يفكرون في ارتكاب معصية المقاومة، والاطمئنان لدعم الجنرال دايتون، وفتح النار على حركة حماس، وكأنها هي التي تحتل الأرض وتقيم المستوطنات وتهدد بهدم المسجد الأقصى.

وفي قصور الحكم وعواصم العرب، لايبدو أحد مهتما بقضية فلسطين، ولا بالمسجد الأقصى، فقد انفكت الصلة من زمن، كانت النظم ـ زمان ـ تبدي عطفا على قضية فلسطين، تناصرها، أو تتظاهر بنصرتها، وعلى سبيل اختصار الطرق إلى كسب عطف الشعوب، لكن الشعوب لم تعد تهم أحدا، فهي لا تنتخب أحدا ولا تقيله، والذي يخفض ويرفع هو السيد الأمريكي، فليس للنظم العربية مجمع انتخابي داخلي، ومجمعها الانتخابي الافتراضي عنوانه معروف، وهو الرعاية الأمريكية الإسرائيلية، ومعادلة البقاء صارت مرعية، ومنطوقها بسيط، وهو : إخدم إسرائيل تكسب رضا الباب العالي في واشنطن، وتتجدد لك أوراق الاعتماد وتراخيص القيادة، البعض يخدم إسرائيل على نحو مباشر، ويدفع 'الجزية' علنا وعلى رؤوس الأشهاد، ويدمج قوات أمنه في مفهوم الأمن الإسرائيلي، والبعض يخدم من وراء ستار، ويستغني عن صداقة الموساد بصداقة المخابرات المركزية الأمريكية، والوحدة الإندماجية مع رغبات إسرائيل لها الأولوية، فقد تحولت النظم العربية ـ في غالبها ـ إلى حليف ضمني أو ظاهر لإسرائيل، وتحت القيادة الأمريكية المشتركة، والشراكة في المجهود الحربي والمخابراتي ظاهرة، وباتجاه التعبئة ضد إيران بالذات، وأحيانا يجري استيراد أوراق توت، وبهدف تغطية العورات المكشوفة، وتأليف روايات غاية في الفجاجة عن المفاوضات تلو المفاوضات، واستئناف المفاوضات بعد توقف المفاوضات، واكتشاف العلة والعقبة التي هي في حركات المقاومة، وليست في إسرائيل، وفتح النار على حزب الله وحركة حماس وحركة الجهاد والجبهة الشعبية، واعتبارها ضارة بمبادرة السلام العربية، والتي يشاع ـ زيفا ـ أنها مقايضة للسلام مقابل الأرض، بينما المعنى المرئي لها تحول من زمن، وصرنا بصدد مبادلة السلام مع إسرائيل مقابل سلامة حكامنا، وما دام حكامنا في خير وسلامة، فكل شيء في مكانه، وحتى لو تحولت دورة النجوم، وجرى هدم المسجد الأقصى، وأصبح كل الذي هو عربي ناطقا بالعبرية.

ما نقوله ليس دعوة لليأس، فلدينا من اليأس ما يكفي ويزيد، لكنها دعوة لليقظة، ومغادرة خيمة البلادة، والاعتصام بالثقة في نصر الله، وتطليق الرجاء في النظم، فقد انتهت النظم إلى طرف ثالث يستقوي بأمريكا وإسرائيل، تحولت إلى طرف مشارك في عدوان ثلاثي ضد الأمة بشرا وحجرا، والمطلوب: إعلان الحرب على النظم بموازاة الحرب ضد أمريكا وإسرائيل، والاحتشاد وراء حركات المقاومة بالسلاح في فلسطين ولبنان والعراق، ودعم المقاومة بالسلاح بمقاومة بالسياسة ضد النظم، هذا إن كنا نغضب حقا للمسجد الأقصى، ولا ننتظر نبأ هدمه على شريط الأخبار، ثم نكفكف الدمع بالريموت كنترول.

 

' كاتب مصري

Kandel2002@hotmail.com

****************************

 

بدأت الحرب

بقلم عبد الحليم قنديل *

 

نحن لا ننتظر الحرب، فقد بدأت الحرب فعلا على جبهة الشرق إلى لبنان وسورية، ومن قبل ـ ومن بعد ـ إلى جبهة إيران ومشروعها النووي.

على جبهة إيران، تراجعت أصوات الاختراق الغربي لصفوف المعارضة الإيرانية، وبدا قادة المعارضة الأبرز ـ من نوع خاتمي وموسوي وكروبي ـ على استعداد لتهدئة جبهة الصدام مع حكومة الرئيس نجاد، واندفاع جماعة الستة (ألمانيا + الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن) لفرض عقوبات إضافية على طهران يؤدي لعكس المطلوب، ويضيف إلى قوة الداخل الإيراني، فالجميع مع المشروع النووي، ومع التقدم الإيراني الباهر في مجالات الذرة والفضاء وتكنولوجيات السلاح العالية، واستعراضات القوة الإيرانية تبدو في محلها تماما، فقد توافر زمان طويل لإيران كي تستعد، وتدرس البدائل، وتشتري وقتا، وتراوغ بمزيج فريد من العناد والمرونة، وتستفيد من تجربة عراق صدام حسين، ولا تكرر أخطاءها، وعلى نحو تبدو معه أي ضربة أمريكية أو إسرائيلية لإيران غير ذات أثر صادم أو نهائي، فقد يمكن لواشنطن أو تل أبيب، أو كلاهما، قد يمكن لهما توجيه ضربة جوية صاعقة، لكنها لن تصعق المشروع النووي الإيراني، والذي تجاوز العتبة الحرجة، وقطع أشواطا متقدمة جدا، وتنتشر منشآته جغرافيا على نحو يصعب معه تدميرها كلها، وحتى لو افترضنا تدميرها بالتمام، فإن إعادة البناء سوف تتم بسرعة، ودون المساس بالقاعدة العلمية الهائلة التي توافرت لإيران، وهذه نقطة قوة حاسمة لإيران في موازين الحساب، أضف إلى ذلك عجز أمريكا المقعد عن تكرار تجربة غزو العراق، فقد كان الغزو البري للعراق هو آخر تجربة من نوعها في حياة أمريكا إلى يوم يبعثون، وأمريكا التي عجزت عن النصر في العراق وأفغانستان، وتريد أن تتخفف من ضرائب الدم والمال، هذه الأمريكا لا يمكن أن تفكر في غزو بري لإيران، وهو ما يعني ـ ببساطة ـ أن النظام الإيراني سيظل قائما حتى لو وجهت له أعتى الضربات الجوية، أضف إلى ذلك رد فعل إيران في اليوم التالي لأول ضربة جوية، وهو رد فعل سيكون قاسيا، وعلى جغرافيا واسعة تنتشر فيها قواعد الوجود الأمريكي في العراق ودول الخليج، وإلى إسرائيل ذاتها، وبتكلفة دمار غير مسبوق في تاريخ الحروب مع إسرائيل.

وفيما تبدو سورية ـ على جبهة الحرب الوشيكة ـ نقطة الحرج في القصة كلها، وتستثير مخاوف تتعلق بطبيعة النظم العربية عموما، وطبيعة النظام السوري، وهو ما يفسر اتجاه الضغط النفسي الإسرائيلي إلى جبهة سورية بالذات، وعلى ظن أنها النقطة الأضعف في حلقة السلسلة الواصلة من طهران إلى حزب الله اللبناني، والتي قد يصح تحطيمها، وإغراقها في بحر الرعب، وعلى طريقة تصريحات ليبرمان ـ وزير الخارجية الإسرائيلي الوقح ـ بتدمير سورية وخلع عائلة الأسد من الحكم، لكن النظام السوري بدا على رباطة جأش فاجأت الإسرائيليين، فسورية تملك سلاحا كافيا، وجيشها استفاد من تكتيكات حزب الله في حرب 2006، ولديها قوة ردع صاروخي مؤثرة، وفيما تبدو مدنها الكبرى قريبة من خط الجبهة، فإن مدن كيان الاغتصاب الإسرائيلي قريبة هي الأخرى، وفي متناول يد النار السورية، وهو ما جعل النظام السوري يرد على إسرائيل بالمثل، ويكلف وزير خارجته وليد المعلم بالرد على وزير الخارجية الإسرائيلي، ويهدد بتدمير المدن الإسرائيلية، ويحذر من اختبار سورية، وقد يرى البعض في التهديدات السورية نوعا من عنتريات النظم الجوفاء، وربما استنادا إلى مواريث قديمة، ولا تدرك التحول الاستراتيجي الذي جرى، والذي رفع مستوى التنسيق الإيراني السوري إلى مرتبة القيادة المشتركة، وهو ما يعني أن سورية لن تدخل الحرب وحدها، بل كطرف على جبهة حرب واسعة، وفي تواصل جغرافي وميداني مباشر مع حزب الله الذي هو العدو الأعظم لإسرائيل.

وفي ذكرى اغتيال الشهيد عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله، بدا خطاب السيد حسن نصر الله كأنه البروفة النهائية للحرب، وحين يتحدث السيد حسن، تصخي إسرائيل سمعها، فهي تعرف أنه لا ينطق عن الهوى المتزايد، وأنه لا يبالغ في شيء، وأنه ينفذ ما يقوله بالحرف والفاصلة، فالرجل يعرف كل شيء عن إسرائيل، وعن قوة جيشها، وخططه وتدريباته، ومناوراته، وأهدافه، ويعرف أن إسرائيل تريد حربا تنتصر فيها، وهو ما أصبح مستحيلا، وحتى لو انحصرت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، ورغم أن السيد يقول ـ لملاءمات السياسة اللبنانية ـ أنه لن يبدأ الحرب، فهو يؤكد أن رجال الله مشتاقون إلى لقاء إسرائيل في حرب، ويدعو إسرائيل لإرسال الفرق الخمس التي تهدد بها لغزو لبنان بريا، أو حتى الفرق السبع، ويتعهد ـ وهو رجل الوعد الصادق ـ بإبادتها جميعا، ثم يلقي بورقة التفوق الجوي الإسرائيلي في أقرب سلة مهملات حربية، وقد لا تكون لدى حزب الله طائرات، لكن لديه قوة الردع الصاروخي، والتي زادت عشرة أضعاف عما كانت عليه في حرب 2006، وزادت مدياتها ودقة تصويبها وأثرها التدميري، وبديهي أن إسرائيل تملك جهاز مخابرات قويا، وهي القدرة ذاتها التي يملكها حزب الله، والتي تجعل إسرائيل قادرة على تجميع بنك أهداف صالحة للقصف في لبنان، وتجعل حزب الله ـ في المقابل ـ عارفا بكل شبر في كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وهو ما يفسر لغة الردع الواثقة في خطاب حسن نصر الله، فقد طور معادلة قصف تل أبيب مقابل قصف بيروت، ونقلها من معنى الردع الرمزي إلى معنى مادي مشفوع بتفاصيله المرعبة، وقال للإسرائيليين ـ ببساطة مذهلة ـ ما الذي ينتظرهم في الحرب، فإن قصفتم مطار رفيق الحريري، فسوف نقصف مطار بن غوريون، وإن هدمتم بناية في الضاحية الجنوبية لبيروت، فسوف نهدم بنايات في تل أبيب، وإن قصفتم مصفاة نفط عندنا، فسوف نقصف مصافي النفط عندكم، وإن قصفتم مصنعا في لبنان، فسوف نقصف كل مصانعكم، وهو ما يعني أن بنية لبنان التحتية لن تكون وحدها المعرضة للدمار، بل أن البنية التحتية لإسرائيل معرضة لدمار أعظم، وهكذا قلب السيد حسن موازين الحرب النفسية، وأنزل الرعب في قلوب قادة إسرائيل المتخبطين التائهين، والذين ليس بينهم سوى جنرال واحد، هو إيهود باراك المهزوم مرتين في لبنان وفي حرب غزة، وفوق توازن الرعب الذي أقامه السيد حسن، فقد استبقى مفاجآت أخرى تحت حساب الصدمة والترويع، ولم ينس الرجل أن يذكر الإسرائيليين بحرب تصفية الحساب القديم، فقد أكد الرجل أن حزب الله لم يثأر إلى الآن لاغتيال قائده الجهادي الشهيد عماد مغنية، وأنه قد وقعت في يد حزب الله عشرات الأهداف الإسرائيلية على خرائط الدنيا كلها، لكنه لم يضرب، ولسبب بسيط، وهو أنها أهداف متواضعة لا تليق بمقام الثأر لعماد مغنية، وأن وقت الحساب مفتوح، ولن نتعجل الثأر، ولن ننساه، وإلى أن يتم الحساب، ويجري ضرب رأس إسرائيلي يصلح مقابلا لرأس الشهيد عماد مغنية، وهو كلام يعني إبقاء الإسرائيليين في حالة الطوارئ والتوتر المستديم، والذي يعيشون فيه منذ إقدام 'الموساد' على جريمة اغتيال مغنية في دمشق، والمرشح للاستمرار إلى وقت يعلمه الله وحزب الله، وإلى أن تأتي اللحظة، وينفذ رجال الله ضربتهم القاتلة.

وباختصار، فقد بدأت الحرب، والأصابع ظاهرة، وهي تضغط على الزناد، ونتائج الحرب تبدو معلومة سلفا، فلن تنتصر إسرائيل، ولن تنتصر أمريكا، وربما لا يتبقى لأرامل البيت الأبيض ـ من ملوكنا ورؤسائنا وأمرائنا ـ غير دفن الرؤوس في أقرب مقبرة.

القدس العربي

* كاتب مصري

Kandel2002@hotmail.com

*********************************

 

د. عبد الحليم قنديل يكتب

 

نظام مبارك هو عار مصر، وهو الذي يذلها ويهينها ويدوس أهلها بنعال الأمن المركزي

 

 

 

ليس صحيحا أن مبارك يسكت علي جرائم إسرائيل، أو أنه يقف علي الحياد، بل هو يحارب مع إسرائيل، ويأتمر بأوامرها، وينفذ ما يملي عليه بالحرف والفاصلة، وقد استقبل« ليفني» التي أعلنت الحرب من القاهرة، وبعد لقاء أسري مع الرئيس مبارك، نفس الرئيس الذي أهانته «ليفني» قبل شهور، ووجهت له اللوم والتأنيب في جلسة شهيرة للكنيست الإسرائيلي، ووصفت عمله في غلق «أنفاق غزة» بالرداءة،

 

وبدت ألفاظها جارحة لرجل في ضعف عمرها، لكن مبارك ابتلع الإهانة كالعادة، ودعا ليفني للقاء خرجت منه مبتسمة، بينما وزير خارجية مبارك يسندها خشية التعثر علي بلاط القصر، وبينما وقف أبوالغيط إلي جوارها كالأرنب المبلول، كانت مجرمة الحرب الإسرائيلية تطلق النفير، وتلعثم أبو الغيط الباهت المرتبك، بينما بدت شجاعته الفأرية ظاهرة في رده علي حسن نصرالله، ونطقه بألفاظ وضيعة ضد السيد الذي جعل الأمة من شيعته، رغم أن أبوالغيط يعرف- والذين عينوه في منصبه- أن ظفر إصبع قدم سيد المقاومة يساوي رأس سيده.

 

وفي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل عدوانها الوحشي علي غزة، وتهدم كل حجر، وتسعي لقتل كل البشر، كانت قوات مبارك تخوض الحرب ذاتها في القاهرة، وكأنها احتياطي استراتيجي للجيش الإسرائيلي، وتحول وسط البلد إلي ميدان فزع، تنتهك فيه الأعراض، وتدوس علي كرامة المتظاهرين من أجل كرامة مصر، وتختطف العشرات من الصحفيين والناشطين، وتتصرف كعصابة مأجورة، تحشر المختطفين في عربات الترحيلات، وليس لكي تذهب إلي سجن، ولالتنفذ أوامر اعتقال، بل لترمي خيرة شباب مصر في الصحراء، وبذات الطريقة الحقيرة التي تصرفت بها مع عبدالوهاب المسيري زعيم كفاية الراحل،

 

 

 

ومع كاتب السطور قبل أربع سنوات، بعدها كانت قوات مبارك تكرر جريمة نابليون الذي دهس بخيله حرم الجامع الأزهر، وتدنس صحن الجامع العريق، وتضرب أنبل أبناء مصر بالنعال، وتعتقل القادة من منازلهم، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله، ولا لشيء إلا لأنهم أعلنوا براءتهم من جرائم نظام مبارك وعصابته، وهتفوا بسقوط مبارك كما هتفوا بسقوط إسرائيل.

 

 

نعم، فقد أضاءت نار الحرب ظلام القلوب، ومحت الالتباسات كلها، ومسحت بركة الدم الفلسطيني الغشاوات عن الأبصار، فإذا هي اليوم حديد، وإذا بنظام مبارك قد ضبط متلبسا بالعمالة لإسرائيل، وهي العمالة الموثقة بكلمات مبارك المتلفزة، والتي بدا فيها الرجل شائخا خائر القوي، وحرص علي طمأنة إسرائيل بأنه ينفذ الأوامر، وأنه لن يفتح معبر رفح بغير رغبة إسرائيل، وإسرائيل لا تريد الفتح الدائم لمعبر رفح، وهي تعرف أن المعبر هو شريان حياة غزة، وأنه كالنيل بالنسبة للمصريين، وأن غلق المعبر كردم النيل، وأن غلق المعبر هو المشاركة الميدانية المباشرة في دعم المجهود الحربي لحصار وقتل الفلسطينيين، وإرغام حماس علي الاستسلام، وهو ما لن يحدث، وحتي لو حملوا نظام مبارك إلي نعشه الأخير،

 

 

 

وربما ليس لدي مبارك حيلة في أن يفعل شيئا آخر، فهو يحكم مصر بالغصب، يحكم مصر بغير أدني قدر من الشرعية، يحكم مصر بالتزوير القبيح والفاجر، يحكم مصر كقوة احتلال بمليوني عسكري من قوات الأمن الداخلي، ونظامه يسرق الثروات وينهب الأصول، وليس عنده من فرصة للتصالح مع شعبه، فثمن التصالح أكبر من أن يحتمله، ثمن التصالح أن يخرج مبارك من القصر إلي قفص الاتهام، والذي يخاصم شعبه يعانق عدوه،

 

 

وهكذا انتهي أمر مبارك ونظامه، فليس له من ملجأ إلا إلي أحضان إسرائيل، وليس له من سبيل إلا كسب محبة إسرائيل طلبا لرضا واشنطن، ليس له من سبيل إلا أن يصادق إسرائيل ويعادي من تعاديه، وأن يخوض معها حربها التي صارت حربه، وأن يدفع نصيبه في دعم المجهود الحربي لتل أبيب، وهو يفعل ما يطلب منه بالضبط، يحمي سفارة إسرائيل وسفيرها خشية من غضب المصريين، ويغلق المعبر لخنق الفلسطينيين، ويصدر الغاز والبترول لإسرائيل، ويزود الجيش الإسرائيلي بطاقة النار اللازمة لقتل الفلسطينيين،

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

قانون إجرامي   

.بقلم  عبد الحليم قنديل

 

وحده، كان موقف الحكومة اللبنانية قاطعا في رفض تشريع مجلس النواب الأمريكي بمطاردة فضائيات المقاومة، وحظر بثها عبر الأقمار الصناعية.

وفي اجتماع مفوضية الإعلام العربي، كانت الميوعة ظاهرة، وتحدث عمرو موسى ـ أمين عام الجامعة العربية ـ عن وفود دبلوماسية 'للتفاهم' مع واشنطن.

ولا تعرف ـ بالضبط ـ عن أي 'تفاهم' يتحدث السيد موسى، فمشروع القانون المعروض على مجلس الشيوخ الأمريكي بعد موافقة مجلس النواب، والذي لاتوجد عقبات تشريعية ولا رئاسية في طريقه، هذا القانون جريمة كاملة، وإعلان حرب، ويعتبر فضائيات المقاومة أهدافا واردة للقصف. بعد الحصار، ويرتب عقوبات على مشغلي الفضائيات، وعلى الناقلين عبر الأقمار الصناعية، ويضعهم جميعا في خانة منظمات الإرهاب، وكل ذلك في تصادم فج مع قدسية حريات التعبير، ومع حق المقاومة البديهي للاحتلالين الأمريكي والإسرائيلي، ومع أمن الإعلاميين وسلامة ضمائرهم، فوق تجاوزه لأبسط اعتبارات سيادة العرب على أقطارهم وسماواتهم المفتوحة.

والمعروف، أن فضائيات المقاومة المذكورة نصا في التشريع الإجرامي الأمريكي هي 'المنار' اللبنانية و'الأقصى' الفلسطينية و'الرافدين' و'الزوراء' العراقيتين، وربما يمتد الحظر والتضييق بالتداعي إلى قناة 'الجزيرة'، وهي الفضائية العربية الأشهر والأوسع تأثيرا، والتي تذيع أخبارا عن عمليات المقاومة، وتبث شرائط وحوارات لبعض قادتها، فالمطلوب واضح وصريح، وهو كتم أنفاس المقاومة، واعتبار أخبارها ووجوه قادتها رجسا من عمل الشيطان، ووضع كل من يدعو أو يؤيد المقاومة في خانة الإرهاب والإرهابيين، وإهدار دمائهم وأموالهم، مع أن أحدا لا يقول لك ما هو الإرهاب المقصود بالضبط ؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الإرهاب والمقاومة، الأمريكيون ـ والإسرائيليون طبعا ـ أكثر صراحة في الموضوع، ولا يدعونك في حيرة من أمرك، فهم يضعون كل منظمات المقاومة في خانة الإرهاب، ولا فرق عندهم بين حزب الله وتنظيم القاعدة، ولا بين حركة حماس وجيش الإسلام، ولا بين حزب البعث ودولة العراق الإسلامية،

 

ولا بين الشيخ حارث الضاري والشيخ أسامة بن لادن، بينما الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لايعد إرهابا، ويعد الاحتلال الأمريكي للعراق نعمة ربانية، وقتل وجرح وتشريد ملايين العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين عمل إنساني، وقس على ذلك مساخر لا آخر لها، يرددها غالب الإعلام الغربي ليل نهار، ويضعها في خانة الموضوعية والحيادية، ويلتمس من حريات التعبير سندا للذين يحقرون ويزدرون الإسلام والنبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، بينما يرى انتقاد الاحتلال الأمريكي كفرانا بالنعمة، ويعتبر انتقاد كيان الاغتصاب الإسرائيلي عداء للسامية، ويطلب للمنتقدين جوائز القتل الرحيم بصواريخ 'كروز'.

والأنكى أن البعض في عالمنا العربي يرددون كالببغاوات كلام الأمريكيين والإسرائيليين، ويميل إلى 'التفاهم' على طريقة عمرو موسى، بينما الحق ناطق في الظاهر والباطن، إذ أن دعوى الحيادية في الإعلام مجرد خرافة، ومن أول قاموس المصطلحات الإعلامية التي تستخدم، وإلى ترتيب الأخبار، وزوايا التناول، فلا حيادية في الإعلام، ولا في علوم الاجتماع والإنسان كلها، وسياق الشعور والثقافة والمصالح يؤثر بشدة، وهو ما يجعل رسالة قناة 'الجزيرة' ـ على مهنيتها الرفيعة ـ في تصادم مطلق مع رسالة قناة 'فوكس' الإخبارية الأمريكية مثلا، ويجعل قناة 'المنار'- بمراعاتها لأصول المهنة ـ أكثر دقة ومصداقية من قنوات التليفزيون الإسرائيلية، وعلى نحو ما بدا في تغطيات حرب 2006، فالمهنية والدقة شيء مطلوب، وشرط جوهري لنجاح أي وسيلة إعلام، بينما خرافة الحياد الإعلامي لا وجود لها في العالمين، وحكاية الإرهاب لا تعريف لها، تماما كالحب، وكلها أمور تتعلق بالذائقة الشخصية والثقافية، فأمريكا ـ عندنا ـ هي الإرهابي الأول، وحزب الله سيف إرهاب لإسرائيل، والقرآن الكريم يحدثنا عن الإعداد للقوة التي نرهب بها عدو الله وعدونا. نقول ذلك حتى لا تختلط الأوراق، ولا نقع فريسة لإرهاب كلمات فارغة من المعنى، ولا نتحدث عن 'تفاهم أخرس' من النوع الذي يدعو له عمرو موسى، فالتشريع الإجرامي الأمريكي سوف يمضي في طريقه، وسوف يجد الحكام العرب أنفسهم أمام مطالب بوقف وحصار فضائيات المقاومة، والحل لا يقبل القسمة على اثنين، فتشريع الكونغرس الأمريكي يخص الأمريكيين الذين انتخبوه، ولا يصح لأثره أن يتجاوز أراضيهم وسماواتهم، ومن حق الكونغرس الأمريكي أن يصادر حريات التعبير في بلاده، وأن يدهس نصوص الدستور الأمريكي، فهذه كلها أمور تخصهم ولا تعنينا، وأي تعميم لأحكام الكونغرس علينا يجعلنا من رعاياه، ويضيف بلادنا إلى مواطئ أقدام وسيادة الأمريكيين، ومعاذ الله أن تكون شعوبنا كذلك، أو أن نقبل هوانا في النفوس والضمائر بعد انتهاك الأعراض وكبت السياسة ونهب الاقتصاد، ونقطة الضعف عندنا ظاهرة، وهي في حكامنا الذين لم ننتخبهم، والذين يضعون أحكام أمريكا فوق أحكام الله عز وجل، ويكرهون المقاومة كما تكرهها أمريكا وإسرائيل، فهي تذكرهم بعارهم، وتكشف عوراتهم، وتنزلهم منازل الخزي إلى يوم يبعثون.

والمعنى، أننا بصدد خطر حقيقي داهم، فحصانة الأمريكيين في بلادنا فوق حصانة قصور الحكم، وإذا أمرت أمريكا بحصار فضائيات المقاومة، وهي سوف تفعل، فسوف يصدع الحكام للأمر السامي، ويجري غلق مكاتب الفضائيات المعنية في العواصم العربية، ومطاردة شبكة مراسليها، ووقف البث على الأقمار الصناعية، وقصف مقار فضائيات المقاومة بعد وقف البث، وهذا كله ليس من باب الخيال الأسود، بل هو مقتضى الحال الأسود، والمقتضى الفعلي المقصود لتشريع الكونغرس الإجرامي، وهو ما يعنى أن علينا أن نتحرك من الآن، لا أن ننتظر المقدر والمكتوب الأمريكي، فالهدف هو المقاومة، وهي شرف الأمة وأمارة نبلها الوحيدة الآن، والدفاع عن فضائيات المقاومة هو دفاع عن المقاومة ذاتها، والمطلوب : تحرك سياسي وقانوني ومهني وإعلامي واسع، يبدأ من الأراضي الأمريكية ذاتها، ومن مفوضية حقوق الإنسان في جنيف، ومن اتحادات الصحافيين الدولية، ومن العرب في المهجر الأوروبي، ومن أنصار الحرية والمقاومة والقضية العربية في العالم الغربي كله، ومن اتحادات ونقابات الصحافيين العربية، ومن أصوات وحركات السياسة المعارضة في العالم العربي، ومن تظاهرات تنديد يجري تنظيمها أمام السفارات الأمريكية، وتكشف الوجه القبيح لأمريكا التي تصادر حريات التعبير وحقوق المعرفة، فهذه ليست معركة فضائيات المقاومة وأصحابها والعاملين فيها وحدهم، إنها معركة الحرية وكسب حق الحياة وحق المقاومة، فالهدف ظاهر من إسكات فضائيات المقاومة، وهو التمهيد للاجهاز على المقاومة نفسها في حروب تدق طبولها الآن في واشنطن وتل أبيب.

نعم، لا يصح الاطمئنان لمواقف الحكومات العربية في غالبها الأعم، صحيح أنها أبدت امتعاضا في اجتماعات للجامعة العربية من التشريع الإجرامي للكونغرس، ثم أعقبت الامتعاض بحديث عن تفاهم مريب، فهذه الانظمة لن تدفع عنا خطرا، بل هي ـ في ذاتها ـ أصل الخطر والخشية، وعداؤها الكامن للمقاومة لا يقل عن عداء أمريكا الظاهر، وقرارها ليس بيدها بل بيد الأمريكيين، والمطلوب : شل يد الأمريكيين المحركة لحكومات الدمى.